ابن قيم الجوزية

347

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والمتلوة يثمر صحة البصيرة . وملاك ذلك كله : أمران . أحدهما : أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة . ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها . وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله . وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته ، وتنزلها على داء قلبك . فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى . آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب ، ولا جوع ولا عطش ، ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق البتة . وعليها من اللّه حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ، ويدفع عنهم . ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها . واللّه المستعان . منزلة التّبتّل ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « التبتل » . قال اللّه تعالى : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( 8 ) [ المزمّل : 8 ] . و « التبتل » الانقطاع . وهو تفعل من البتل وهو القطع . وسميت مريم [ عليها السلام ] « البتول » لانقطاعها عن الأزواج ، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها . ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا . وقطعت منهن . ومصدر « تبتّل » « تبتلا » كالتعلم والتفهم ، ولكن جاء على التفعيل - مصدر تفعل - لسر لطيف . فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة . فأتى بالفعل الدال على أحدهما ، وبالمصدر الدال على الآخر . فكأنه قيل : بتّل نفسك إلى اللّه تبتيلا ، وتبتل إليه تبتلا . ففهم المعنيان من الفعل ومصدره . وهذا كثير في القرآن . وهو من أحسن الاختصار والإيجاز . قال صاحب المنازل : « التبتل : الانقطاع إلى اللّه بالكلية . وقوله عزّ وجلّ : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [ الرّعد : 14 ] أي التجريد المحض » . ومراده بالتجريد المحض : التبتل عن ملاحظة الأعواض . بحيث لا يكون المتبتل كالأجير الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة . فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر ، بخلاف العبد . فإنه يخدم بمقتضى عبوديته ، لا للأجرة . فهو لا ينصرف عن باب سيده إلا إذا كان آبقا . والآبق قد خرج من شرف العبودية . ولم يحصل له إطلاق الحرية . فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده . وغاية شرف النفس : دخولها تحت رق العبودية طوعا واختيارا ومحبة ، لا كرها وقهرا . كما قيل : شرف النفوس دخولها في رقّهم * والعبد يحوي الفخر بالتمليك والذي حسّن استشهاده بقوله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [ الرّعد : 14 ] في هذا الموضع : إرادة هذا المعنى . وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته . وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابا . فإنه يستحقها لذاته . فهو أهل أن يعبد وحده ، ويدعى وحده ، ويقصد ويشكر ويحمد ، ويحب ويرجى ويخاف ، ويتوكل عليه ، ويستعان به ، ويستجار به ، ويلجأ إليه ، ويصمد إليه . فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده .